“آخِرُ مَنْ يقف على الأطلال”
هَذِيْ دِمَشْقُ عَلَى أَطْلَالِهَا أَقِفُ
حَبَسْتُ دَمْعِيَ والْخَفَّاقُ يَذَّرِفُ
كَمْ شَاعرٍ قَبْلَنَا بالدَّمْعِ ساءَلَهَا
وَمَا لَهُ عَنْ سُؤَالٍ أو بُكى كَفَفُ
وقفْتُ أسْألُها عَنْ كُلِّ شارِدَةٍ
عنِ الطُّفولةِ عَنْ ماضٍ بِهِ لَهَفُ
للذّكرياتِ بها لوْنٌ ورائِحَةٌ
يَشمُّها القلبُ عَنْ بُعْدٍ فَيَرْتَجِفُ
بَكَيْتُ شِعْراً ونبضُ القلبِ ينظُمُهُ
إذا اسْتَحَى الدّمْعُ ظلَّ النّبْضُ يعْتَرِفُ
حيّاكِ بالحُبِّ مَنْ ظلّتْ تحيّتُهُ
تعْلُو مع الهُضْبِ ثمَّ الرّوْضَ تَلْتَحِفُ
دهراً يُبَشِّرُنا الرَّحمنُ في كُتُبٍ
بجنَّةٍ ما رآها شاردٌ خَرِفُ
وناظرُ الشامِ يغْفو في تساؤُلِهِ:
أجَنَّةُ الخُلْدِ فيها الحُوْرُ والقُطُفُ؟
“فيها الذي تشتهيهِ النّفْسُ مِنْ رَغَدٍ
فِيْ مَضْجَعٍ وتلذُّ الأعْيُنُ الشُغُفُ”
ألقى الزّمانُ بها أغراضَ رحلتِهِ
لمّا رأى أنّها الأوطانُ والكَنَفُ
روتْ لنا قصّة الأقوامِ مُذْ بَدَأَتْ
ما استوحشوهُ من الدّنيا وما ألِفُوا
فيها تجمّعَ كُلُّ الخَلْقِ مِنْ قِدَمٍ
منها تطلُّ على تاريخِنا الشُّرَفُ
فيها الملاحِمُ والأخبارُ أوَّلُها
منها إلى الغرْبِ جُنْدُ اللهِ قد زَحَفُوا
فيها رواياتُ عُشَّاقٍ لها عَجَبٌ
بلى وتعجَبُ ما في سَطْرِها الصُّحُفُ
تحيّرَ النّاسُ في فنٍّ وفي أَدَبٍ
كلُّ الذينَ مشوا في أرضها عزفوا
تُعانِقُ الشِّعْرَ إذْ يدنو؛ تُزيّنُهُ
كما تزيّنَ بالفخّارةِ الخَزَفُ
هي المليكةُ والأشعارُ بُرْدتُها
أعيا الذي نَسَجُوا ميّاسُها الهَيَفُ
تروي القصائدُ عن ماضي تغنُّجِها
كما الحضاراتُ ترويها لنا التُّحَفُ
يبقى القصيدُ وقد راحتْ قوائلُهُ
كأنّما فيهِ مِنْ تهْلاكهِ أنَفُ
ولّى الذينَ تغنّوا في محبّتها
وظلْتُ وحْدِيَ في الحاراتِ أعتكِفُ
فما نِزارٌ إذا وزّعْتُ أوْرِدَتِيْ
يا شامُ قد غارَ مِنْ حُبّيْ لَكِ السَّلَفُ
إنّي أراكِ بريقَ الضّوءِ في بَصَرِيْ
ولو أُكفَّفُ مَاليْ عَنْكِ مُنْعطَفُ
فكلُّ نَهْرٍ وريدٌ في تدفُّقِهِ
وكلُّ شِبْرٍ على الشّريانِ يرتَصِفُ
مَنْ يُبْصِرِ الشّامَ مجنونٌ يرى حُلُماً
فكيفَ يُفصِحُ مجنونٌ بما يَصِفُ؟!
الشّامُ لا تَعْكِسُ المرآةُ صوْرَتَها
دَقَّتْ تفاصِيلُها في الحُسْنِ يا كَلِفُ
فتّانةٌ ما اسْتَحَتْ مِنْ عَرْضِ فِتْنتِها
بعضُ المفاتنِ في أحداقنا شَرَفُ
تظلُّ في خاطِري بِكْراً مصوّرةً
وحينَ أُمْسِكُ بالأقلامِ تنْصَرِفُ
كذاكَ أسماءُ تبدو حينَ أذْكُرُها
كالشَّمسِ خَلْفَ حريرٍ راحَ ينْكَشِفُ
على النّوافِذِ مرْخِيَّاً يداعِبُها
فيدخُلُ النّورُ سِرَّاً ثمَّ ينْخَطِفُ
حوريّةُ اللهِ في الدُّنيا وبرّأَهَا
مِنْ كُلِّ عيبٍ، وفيها الحُسْنُ يُكْتَشَفُ
كأنّ ربّي مِنَ الجنّاتِ أرْسَلَها
ليُغرِيَ النّاسَ حتّى ليسَ مُنْحَرِفُ
إذا مشتْ تقتفي الأقمارُ خُطْوَتَها
وإنْ لَوَتْ, مُستقيمُ الطُّرْقِ ينْعَطِفُ
لمّا تغيبُ يضمُّ الشّوقُ مقْعَدَها
وللمحبِّيْنَ في أشواقِهِمْ طُرَفُ
أسماءُ لا تَدَعِيْني اليومَ مُنْفَرِداً
إنِّيْ أحبّكِ لا خِلٌّ ولا خَلَفُ
ولْتعْذُرينيْ إذا أفْشَيْتُ سِرَّكُمُ
إنَّ المُحِبَّ بِهِ الأحكامُ تَخْتَلِفُ
إنَّ المُحبَّ كطفلٍ في تهوُّرِهِ
فلا يُلامُ على ما كانَ يقْتَرِفُ
إنَّ الصّبابةَ يا أسماءُ مَحْكَمَةٌ
لا بُدَّ للعاشقِ المحكومِ يعْتَرِفُ
مهلاً أحبُّكِ لا أرضى بتوريتي
ولا الكِنايةِ إذْ في حيِّكِمْ أقِفُ
مهْلاً أُحِبُّكِ لا شيءٌ بخاطِرتي
ولا أقولُ سواها حينَ أحْتَرِفُ
يَضُمُّني العِشْقُ لا أدري لهُ سبباً
لمْ يُسْألِ الشَّيخُ لمّا ضمَّهُ الخَرَفُ!
مَنْ ذا يُفسِّرُ بوحَ الماءِ في غُدُرٍ
مَنْ ذا يُعلِّلُ برداً حينَ يرتجِفُ؟!
واللهِ لو نظْرةٌ في لحْظةٍ خَطَفَتْ
لا الجاهُ عنْ تلكَ يُغنيني ولا التّرَفُ
أهواكِ أهواكِ رَغْمَ الآهِ في أَمَلِي
ولي خَيالٌ على تَجْوالِهِ تَلِفُ
أقولُ: أهوى ومِلْءُ الكوْنِ حنْجَرَتيْ
مازال منها الصّدى في الجوِّ يغْتَرِفُ
مازلتُ أرْسُمُ حبّي في تلوُّنِهِ
وريشتي في الهوى بالعجْزِ تتّصِفُ
قبْلاً تطرّفْتُ في رسْمي و أخيلتي
وحينَ جئتِ بدا ما كُنْتُ أطَّرِفُ
أهواكِ لا صُدْفةٌ كانتْ لِتَجْمَعَنَا
أهواكِ مِنْ قبْل ما أنْ تولَدُ الصُّدَفُ
وكلّمتني الحصى إذْ كُنْتُ أنْبُشُها
حتّى نَضَحْتِ فهلْ أدْنو وأرتشِفُ؟
كلٌّ يؤمّلُ في الدّنيا رَغِيْبَتَهُ
وفي يدِ الحظِّ مِنْ أحلامِنا نُتَفُ
نَهوى وما كلُّ ما نهْوَى يُعانِقُنا
بلْ كمْ يُعانِقُنَا في الرَّغْبَةِ الأسَفُ
ميْتُ الوجودِ وبين النّاسِ لُحْتُ كما
في الوصْلِ تظهرُ لمّا تسْقط الأَلِفُ
ثاوٍ على وَجَعِيْ حتّى يزولَ أقو
لُ: الأصلُ نحنُ وفرعُ الأصلِ ينكَشِفُ
فما تأبّدَ غيمٌ في بوارِقِهِ
ولا اسْتَقَرَّ بجوْفِ الأبْحُرِ الصَّدَفُ
وربّما تهتدي الحسناءُ في دنِفٍ
فتُسْرِفُ الوصْلَ, هل يدري الهوى الدَّنِفُ؟
هذي الشآمُ طيورُ الوجْدِ تحْرسُها
مِنْ أمنياتِ الهوى البيضاء تلتَقِفُ
وتلكَ أسماءُ تزهو وسطَ جنّتها
فوّاحةُ العِطْرِ لكن ليس تُقْتَطَفُ
لولا الشآمُ وأسماءٌ أهيمُ بها
ما كانتِ الرّوحُ في ذا الجِسْمِ تأْتَلِفُ
عُصفورتانِ وجوفُ القلبِ عُشُّهُما
تُنقِّرانِ زواياهُ فيعْتَرِفُ
عصفورتانِ بقلبي والسّجينُ أنا
ندِيمِيَ الشوقُ في سجْني وكمْ أقفُ
فأنثني مُطْرِقاً مِنْ فرطِ مُعْتَقَلِي
أُسائلُ النّاسَ: غيري بالهوى عرفوا؟
يوسف قائد
المصدر: صفحة -مسابقة : رابطة شعراء العرب – على الفيس بوك












مشكوووووووووووووووور
Posted by يامن | ديسمبر 28, 2012, 9:16 م